لم يعد تسويق المدن ينجح بالاكتفاء بصورة جميلة، أو مقطع ترويجي سريع، أو شعار بصري جذاب. ففي البيئة الحالية، تتنافس المدن على الاستثمار، والمواهب، والزوار، والفعاليات، ورأس المال الرمزي أيضاً؛ ولهذا باتت العلامة المكانية أقرب إلى مشروع استراتيجي معقد يتداخل فيه الاقتصاد، والهوية، والثقافة، والخدمات، وتجربة العيش، لا مجرد حملة ترويجية موسمية. وقد أشارت ورقة للبنك الدولي إلى أن بناء علامة المدينة عملية معقدة تتفاعل فيها خطط التنمية الاقتصادية، واستراتيجيات التسويق، والخصائص الاجتماعية والثقافية، وأن المدن في القرن الحادي والعشرين تتنافس على ما تقدمه من عرض مادي وخدمي وتجريبي، وعلى تراثها وطموحها وشخصيتها، أي على علامتها في النهاية.
من هنا، يصبح المحتوى أكثر من أداة عرض؛ إنه وسيلة لصياغة معنى المدينة. فالصورة السياحية التقليدية تركّز غالباً على ما يُرى: معلم، شاطئ، فعالية، أو مشهد عمراني. أما السرد الاستراتيجي فيركّز على ما تمثله المدينة: ما قصتها؟ ما الذي يميزها؟ لماذا تستحق الزيارة أو الاستثمار أو الإقامة أو الدراسة؟ وما الذي يجعلها مختلفة عن مدينة أخرى تملك فنادق جيدة أو بنية تحتية مشابهة؟ هذا التحول من “الترويج للمشهد” إلى “بناء الرواية” هو ما يمنح المحتوى قيمة طويلة الأجل، لأنه يربط الانطباع المؤقت بصورة ذهنية أعمق وأكثر استقراراً. ويظهر هذا المعنى أيضاً في ممارسات المنصات الأوروبية المعنية بالمدن الذكية، التي تستخدم السرد القصصي لإبراز أفضل الممارسات والدروس المستفادة، مع التركيز على العنصر الإنساني في التحول الحضري لجعل الابتكار أقرب إلى الناس لا إلى الخبراء فقط.
المشكلة أن كثيراً من المدن ما زالت تتعامل مع المحتوى بوصفه مرآة سياحية فقط. فتُنتج مواد جميلة بصرياً، لكنها متشابهة في الجوهر: لقطات جوية، موسيقى ملحمية، معالم مصورة بعناية، ونصوص عامة عن الأصالة والحداثة. هذا النوع من المحتوى قد يلفت الانتباه، لكنه لا يبني تموضعاً واضحاً. أما السرد الاستراتيجي، فيبدأ من سؤال مختلف: أي مدينة نريد أن نكون في وعي الجمهور؟ هل نحن مدينة ثقافة؟ أم أعمال؟ أم ابتكار؟ أم جودة حياة؟ أم بوابة إقليمية؟ أم وجهة تجارب محلية أصيلة؟ الإجابة هنا لا ينبغي أن تصاغ في غرفة التسويق وحدها، بل في صلب الرؤية التنموية للمدينة نفسها، لأن العلامة المكانية المنفصلة عن الواقع سرعان ما تفقد صدقيتها.
ولهذا، فإن المحتوى الأكثر فاعلية في تسويق المدن هو الذي يربط بين ثلاثة مستويات. المستوى الأول هو الهوية: أي العناصر العميقة التي تمنح المدينة شخصيتها، مثل تاريخها، وتركيبتها الاجتماعية، وثقافتها المحلية، وموقعها، ولهجتها المعمارية، وأنماط الحياة فيها. المستوى الثاني هو التجربة: كيف يعيش الزائر أو المستثمر أو المقيم هذه الهوية على الأرض؟ والمستوى الثالث هو الطموح: إلى أين تتجه المدينة؟ ما مشروعها المستقبلي؟ ما الذي تبنيه في الاقتصاد الإبداعي، أو التقنية، أو الفضاءات العامة، أو الاستدامة؟ عندما يجمع المحتوى بين هذه الطبقات، فإنه لا يبيع مكاناً فحسب، بل يقدّم مساراً ومعنى ووعداً قابلاً للتصديق. وتنسجم هذه الفكرة مع أدبيات البنك الدولي حول التطوير القائم على المكان، التي تربط نجاح المكان بالحوار التشاركي وتفعيل الفضاءات العامة والهوية المحلية، لا بمجرد التجميل الاتصالي.
كما أن السرد الاستراتيجي لا يُبنى من أعلى فقط. فإحدى نقاط الضعف في تسويق المدن هي أن الرواية الرسمية قد تكون متماسكة على الورق لكنها لا تجد صدى لدى السكان، أو تتجاهل الثقافة الحية لصالح صورة مصقولة أكثر من اللازم. وهنا تبرز أهمية المحتوى التشاركي والقصص المحلية. فقد نبّهت ورقة OECD حول التحول المكاني القائم على الثقافة إلى أن تجاهل الثقافة المحلية والقاعدية لمصلحة تعبيرات نخبوية قد يقود إلى الإقصاء وإضاعة فرص تعزيز التماسك الاجتماعي، كما أشارت إلى أن الثقافة يمكن أن تكون أداة لتغيير صورة المكان وسمعته وجذب الاستثمار، لكن مع ضرورة الانتباه أيضاً إلى مخاطر الإزاحة وارتفاع الأسعار إذا انفصل التحول الرمزي عن العدالة المكانية.
هذا يعني أن المحتوى الناجح للمدن لا ينبغي أن يكتفي بإبراز “الأجمل”، بل أن يُظهر “الأصدق” أيضاً. فالمدن لا تُقنع جمهورها فقط بواجهاتها، بل بقدرتها على سرد حياة الناس فيها: كيف يعملون، ويتنقلون، ويبتكرون، ويقيمون الفعاليات، ويصنعون الطعام، ويحافظون على الحرف، ويستخدمون الفضاء العام. وحتى في السياحة، تؤكد UN Tourism أن كثيراً من الزوار ينجذبون إلى المنتجات المحلية، وأن وجهات عديدة باتت تتمحور في تطوير منتجها وتسويقها حول ذلك، بما يعكس قيمة التجربة المحلية الأصيلة في بناء جاذبية المكان.
ومن هنا أيضاً، لا يعود الهدف من محتوى المدينة اجتذاب السائح وحده. فالمدينة اليوم تخاطب جماهير متعددة في الوقت نفسه: سائحاً يبحث عن تجربة، ومستثمراً يبحث عن بيئة موثوقة، وموهبةً تبحث عن فرصة ونمط حياة، وسكاناً يريدون أن يروا أنفسهم في الرواية العامة لمدينتهم. لذلك فإن السرد الاستراتيجي أكثر ذكاءً من الصورة السياحية الأحادية؛ لأنه يسمح ببناء رواية جامعة ذات فروع متعددة، بدلاً من رسائل متنافرة لكل فئة. وهذا ينسجم مع ما تطرحه تقارير OECD الحديثة عن السياحة والمدن، والتي تربط تنافسية الوجهات اليوم بالقدرة على بناء وجهات قوية ومرنة ومتنوعة عبر خطط إدارة مخصّصة، لا عبر الترويج العام غير المميز.
على المستوى العملي، هناك فرق واضح بين محتوى يروّج للمدينة، ومحتوى يبني علامتها. الأول يركّز على الإبهار اللحظي، والثاني على الاتساق التراكمي. الأول قد ينجح في حملة موسمية، والثاني يصنع ذاكرة. ولذلك فإن المدن التي تستخدم المحتوى بذكاء لا تكتفي بالإعلانات، بل تبني منظومة سردية تشمل الأفلام القصيرة، والمقالات، والبودكاست، وقصص السكان، والفعاليات، والخرائط التفاعلية، والمحتوى الموجّه لقطاعات محددة، والمواد التي تشرح تحولات المدينة بلغة يفهمها غير المتخصصين. وهذا قريب مما تعرضه منصة Smart Cities Marketplace الأوروبية، التي تستخدم الفيديوهات والبودكاست والمقابلات لإبراز تجارب المدن وإضفاء بعد إنساني على التحول الحضري من أجل تحفيز الاهتمام والانخراط.
لكن السرد الاستراتيجي يظل معرضاً للفشل إذا لم يكن متصلاً بتجربة حقيقية. فحين تعد المدينة بالانفتاح وهي مرهقة إجرائياً، أو تروّج للإبداع من دون بيئة ثقافية حية، أو تتحدث عن جودة الحياة بينما الفضاء العام ضعيف، يصبح المحتوى جزءاً من الفجوة لا من الحل. ولهذا فإن أفضل تسويق للمدن ليس ذلك الذي “يخفي” التحديات، بل الذي يضعها داخل قصة تحول مقنعة: من أين بدأت المدينة، وما الذي تغيّر، وما الذي تعمل عليه الآن، وكيف يلمس ذلك الناس فعلاً. هذا النوع من السرد أكثر مصداقية، وهو أقرب إلى بناء الثقة من صناعة الانبهار. وتدعم أدبيات البنك الدولي حول التطوير القائم على المكان هذا المنظور، لأنها تربط المكان المزدهر بالمشاركة والتخطيط الحواري وتفعيل المجال العام، لا بمجرّد الخطاب البصري.
في النهاية، تسويق المدن عبر المحتوى لم يعد مهمة تتعلق بتحسين الصورة فقط، بل بإنتاج رواية حضرية متماسكة. الرواية التي تنقل المدينة من “وجهة تُشاهد” إلى “مكان يُفهم ويُراد الانتماء إليه”. وهذا هو الفارق بين الصورة السياحية والسرد الاستراتيجي: الأولى قد تجذب العين، أما الثاني فيبني المعنى، ويمنح المدينة موقعاً أرسخ في الوعي والمنافسة معاً.


