الجمعة, مارس 20, 2026

لم تعد المؤسسات المعاصرة تعاني من ندرة المحتوى، بل من وفرته. فالمشكلة لم تعد في القدرة على الإنتاج، وإنما في القدرة على جعل هذا الإنتاج ذا قيمة اتصالية حقيقية. هذا التحول يبدو واضحًا في تقارير المهنة نفسها؛ إذ تشير بحوث Content Marketing Institute إلى استمرار نمو الاستثمار في الفيديو والمحتوى القيادي والمحتوى المؤسسي داخل المؤسسات، كما تؤكد Adobe أن فرق التسويق والاتصال تواجه ضغطًا متصاعدًا لتلبية طلب متزايد على المحتوى بسرعة وعلى نطاق واسع.

في هذا السياق، لم تعد “الوفرة” مؤشرًا على النضج الاتصالي. قد تنشر المؤسسة أكثر، وتنتج أسرع، وتملأ منصاتها بمواد متنوعة، لكنها لا تبني بالضرورة حضورًا أو فهمًا أو ثقة. Sprout Social لخصت هذه المعضلة بوضوح حين أشارت إلى حجم التشبع في المنصات الاجتماعية، مبيّنة أن العلامات التجارية كانت تنشر في المتوسط 9.5 منشورات يوميًا عبر الشبكات خلال عام 2024، مع أرقام أعلى في بعض القطاعات. كثافة النشر هنا لا تعني تلقائيًا كثافة الأثر.

الإشكالية إذن ليست كمية خالصة، بل بنيوية. فحين تتحول فرق الإنتاج الإعلامي داخل المؤسسة إلى ما يشبه “خط تشغيل مستمر”، يصبح النجاح مرتبطًا بسرعة الإنجاز والقدرة على تزويد القنوات بالمواد، لا بجودة الفرضية الاتصالية التي تحكم هذا الإنتاج. وهنا تبدأ المؤسسة في الخلط بين النشاط والفاعلية: ما دام هناك محتوى منشور، يُفترض أن هناك إنجازًا. لكن الإنجاز الاتصالي لا يُقاس بعدد القطع المنتجة، بل بقدرتها على تفسير موقع المؤسسة، وترتيب أولويات رسائلها، ودعم سمعتها، وتحريك إدراك الجمهور في اتجاه واضح. وهذه الفجوة بين التسريع التشغيلي والفاعلية الاستراتيجية تتكرر في تقارير Adobe الحديثة حول المحتوى على نطاق واسع.

من هنا يمكن القول إن أزمة المؤسسات المعاصرة ليست في “الإنتاج الإعلامي” بوصفه مهارة، بل في “منطق الإنتاج” بوصفه طريقة تفكير. كثير من المؤسسات ما تزال تدير المحتوى باعتباره استجابة دائمة لمطالب المنصات أو الإدارات الداخلية أو المناسبات المتلاحقة. والنتيجة أن المحتوى يتكاثر، لكن معناه يضعف؛ تتعدد المواد، لكن الرسالة المركزية تتشوش؛ يتجدد الشكل، لكن الموقف المؤسسي لا يتبلور. لهذا لا تبدو المشكلة في نقص العمل، بل في غياب المعمار الذي يجعل العمل تراكميًا ومقروءًا.

وتزداد هذه الإشكالية تعقيدًا مع صعود أدوات الذكاء الاصطناعي التوليدي. فهذه الأدوات خفّضت كلفة بعض مراحل الإنتاج، ورفعت قدرة الفرق على التوليد والتحرير والتكييف بسرعة كبيرة، لكنها في المقابل جعلت خطر الوفرة أكبر. Content Marketing Institute نفسها، في قراءتها لاتجاهات 2026، تميّز بين المؤسسات التي تكتفي بتوليد المزيد، والمؤسسات التي تعود إلى “الأساسيات” وتبني على وضوح الاستراتيجية وجودة المنهج قبل توسيع الإنتاج. المعنى هنا بالغ الأهمية: التكنولوجيا قد تحل مشكلة السرعة، لكنها لا تحل مشكلة الجدوى.

كما أن التشبع الرقمي جعل الجمهور أكثر انتقائية وأقل تسامحًا مع المحتوى الذي لا يضيف شيئًا. Sprout Social أشارت إلى أن الإرهاق من المنصات الاجتماعية بات واقعًا، وأن الجمهور يتوقع من العلامات التجارية تفاعلًا ذا معنى، لا مجرد حضور متواصل. وفي اتجاه متصل، أوضحت Sprout أن الثقة ترتفع حين يكون المحتوى أكثر إنسانية وأصالة، لا حين يكون أكثر كثافة أو آلية. وهذا يعني أن المؤسسة التي تنتج أكثر مما ينبغي، من دون حساسية لسياق التلقي، قد تستهلك انتباه جمهورها بدل أن تبنيه.

الفاعلية، في المقابل، تبدأ حين تتغير الأسئلة. فبدل أن تسأل المؤسسة: كم قطعة أنتجنا هذا الشهر؟ ينبغي أن تسأل: ما الرسائل التي عززناها فعلًا؟ وما الانطباعات التي ثبتناها؟ وأين ظهرت الصلة بين المحتوى وأولويات المؤسسة؟ هذا الانتقال من سؤال “الكم” إلى سؤال “الأثر” هو الفارق بين إدارة منصات وإدارة معنى. والفرق ليس لغويًا أو نظريًا، بل إداري أيضًا؛ لأنه يغيّر طريقة التخطيط، وتوزيع الموارد، وبناء التقويم التحريري، ومعايير القياس.

ومن زاوية مهنية، يمكن تحديد ثلاثة مظاهر رئيسية للانتقال غير المكتمل من الوفرة إلى الفاعلية داخل المؤسسات.

الأول هو تضخم النشر مقابل ضمور الأولوية. المؤسسة تنتج كثيرًا، لكنها لا تملك هرمًا واضحًا للرسائل. كل شيء يبدو مهمًا بالدرجة نفسها: الإنجازات، والفعاليات، والتقارير، واللقاءات، والمناسبات. وحين يصبح كل شيء أولوية، تفقد الأولوية معناها، ويذوب التمييز بين المحتوى المؤثر والمحتوى الاعتيادي. هذه واحدة من النتائج الطبيعية حين يُدار الإنتاج بمنطق الاستجابة المستمرة لا بمنطق الاختيار الاستراتيجي.

الثاني هو الخلط بين اتساع القنوات واتساع التأثير. وجود المؤسسة في منصات عديدة، وبصيغ متعددة، لا يعني أنها بنت نفوذًا اتصاليًا متماسكًا. Adobe تركّز في تقاريرها على أن التحدي الحقيقي ليس مجرد التوسع، بل تقديم تجارب متسقة وشخصية على نطاق واسع. وهذا ينطبق على الإنتاج الإعلامي المؤسسي: الاتساق أهم من الوفرة المنفصلة، لأن الجمهور لا يستهلك كل قطعة على حدة، بل يبني صورة مركبة عن المؤسسة عبر الزمن.

الثالث هو الاستغراق في القابلية للنشر على حساب القابلية للتذكر. كثير من المحتوى المؤسسي يُنتج لأنه “صالح للنشر” وملائم للمنصة، لكنه ليس صالحًا بالقدر نفسه للبقاء في الذاكرة أو تشكيل الانطباع. وهنا يظهر الفارق بين المحتوى الذي يملأ الفراغ التحريري، والمحتوى الذي يضيف لبنة إلى السردية المؤسسية. الأول ينجز مهمة تشغيلية، والثاني ينجز وظيفة استراتيجية.

لذلك، فإن الانتقال إلى الفاعلية لا يبدأ بتقليل المحتوى فقط، بل بإعادة تعريف وظيفة الإنتاج الإعلامي داخل المؤسسة. المطلوب ليس أن تنتج المؤسسة أقل بالضرورة، بل أن تنتج وفق بنية أكثر انضباطًا: ماذا نريد أن نرسخ؟ ما الزوايا التي تخدم موقعنا؟ ما المساحات التي نحتاج أن نفسرها لا أن نكررها؟ وما المواد التي تخدم السمعة فعلًا بدل أن تستهلك الجهد فقط؟ عند هذه النقطة يتحول الإنتاج من نشاط تراكمي إلى أصل مؤسسي ذي منطق.

ويمكن للمؤسسات المعاصرة أن تقترب من هذا التحول عبر أربعة تصحيحات عملية. أولها، بناء هرم رسائل واضح يميّز بين الرسائل الجوهرية والرسائل المساندة. ثانيها، التعامل مع التقويم التحريري بوصفه أداة انتقاء لا مجرد أداة تنظيم. ثالثها، تطوير القياس بحيث يشمل الفهم والتذكر والاتساق، لا الوصول والمشاهدة فقط. ورابعها، حماية الأصالة التحريرية من ضغط السرعة والإنتاج الآلي؛ لأن الثقة، كما تُظهر بيانات Sprout، ترتبط أكثر بالمحتوى الذي يبدو إنسانيًا وحقيقيًا من المحتوى الذي يبدو مصنوعًا على نطاق صناعي.

في النهاية، لا تبدو معضلة الإنتاج الإعلامي في المؤسسات المعاصرة معضلة نقص، بل معضلة وفرة غير محكومة. لقد أصبحت المؤسسات أقدر من أي وقت مضى على أن تنتج، لكن السؤال المهني الأهم لم يعد: هل نستطيع أن نصنع المزيد؟ بل: هل نعرف ما الذي يستحق أن يُصنع أصلًا؟ عند هذا الحد يتحدد الفارق بين مؤسسة تملأ الفضاء بالمحتوى، ومؤسسة تبني حضورها بالمعنى. والفاعلية تبدأ دائمًا من هذا الاختيار.

شاركها.
اترك تعليقاً

Exit mobile version